«أُمّة أحمد» في سنندج.. احتفال بمولد النبي ورسالة للتآخي بين الشيعة والسُّنّة

احتفال يجمع الثقافة والموسيقى والضيافة في قلب كردستان

في إيران، يمتد «أسبوع الوحدة الإسلامية» بين تاريخين يعتمدهما الشيعة وأهل السُّنّة للاحتفال بذكرى مولد النبي محمد. وتُحيى هذه المناسبة سنوياً بفعاليات دينية وثقافية في أنحاء مختلفة من البلاد، للتأكيد على القواسم المشتركة بين أتباع المذهبين.

احتفال يجمع الثقافة والموسيقى والضيافة في قلب كردستان

في إيران، يمتد «أسبوع الوحدة الإسلامية» بين تاريخين يعتمدهما الشيعة وأهل السُّنّة للاحتفال بذكرى مولد النبي محمد. وتُحيى هذه المناسبة سنوياً بفعاليات دينية وثقافية في أنحاء مختلفة من البلاد، للتأكيد على القواسم المشتركة بين أتباع المذهبين.

ومن أبرز هذه الفعاليات «أُمّة أحمد»، وهو احتفال شعبي يُقام في عدد من المدن الإيرانية خلال هذه المناسبة، ويتخذ من مولد النبي مناسبة لجمع الناس والاحتفاء بما يجمعهم من قيم وموروثات دينية وثقافية.

وفي دورته الرابعة هذا العام، وصلت أجواء الاحتفال إلى سنندج، عاصمة محافظة كردستان، وهي إحدى المناطق الرئيسية ذات الغالبية السُّنّية في إيران. ففي يوم الجمعة 28 أغسطس/آب 2026، امتلأ شارع فردوسي للمشاة وصولاً إلى ميدان انقلاب بالحشود، وتحول وسط المدينة إلى مساحة مفتوحة تجمع العائلات والضيوف، وتتداخل فيها الموسيقى والإنشاد والضيافة والأنشطة الثقافية.

ويحمل اسم «أُمّة أحمد» إشارة إلى «أحمد»، أحد أسماء النبي محمد، ليصبح عنواناً لاحتفال يركز على وحدة المسلمين من خلال الاحتفاء بمولده.

 

بين تاريخين.. أسبوع للاحتفاء بالوحدة

يرتبط «أسبوع الوحدة الإسلامية» باختلاف تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي بين الشيعة وأهل السُّنّة. ويحيي كثير من المسلمين من أهل السُّنّة ذكرى المولد في 12 ربيع الأول، فيما يحتفل الشيعة بالمولد في 17 ربيع الأول.

وبين هذين التاريخين، تُقام في إيران فعاليات تحمل اسم «أسبوع الوحدة»، لتكون المناسبة مساحة للتأكيد على ما يجمع المسلمين، بدلاً من أن يتحول اختلاف موعد الاحتفال إلى مصدر للفرقة. وقد اكتسبت هذه المناسبة حضوراً رسمياً وشعبياً في إيران بعد الثورة الإسلامية، بوصفها مناسبة للتأكيد على القواسم المشتركة بين الشيعة وأهل السُّنّة.

وفي سنندج، يكتسب هذا المعنى بعداً إضافياً. فمحافظة كردستان تضم نسبة كبيرة من السكان المسلمين السُّنّة، ولذلك فإن إقامة احتفال شعبي بمولد النبي في عاصمتها، بمشاركة واسعة من السكان، تحمل إلى جانب بعدها الديني دلالة اجتماعية وثقافية تتصل بالتعايش والتآخي بين أبناء المجتمع.

 

من ممشى فردوسي إلى قلب المدينة

اختير ممشى فردوسي، الممتد حتى ميدان انقلاب، مسرحاً للاحتفال. ويقع هذا المسار في قلب سنندج، ضمن منطقة تتميز بنشاطها التجاري وحركتها اليومية، كما يرتبط بالنسيج التاريخي والثقافي للمدينة.

وكان مشروع تحويل شارع فردوسي إلى ممشى للمشاة قد بدأ بهدف تحسين المشهد الحضري، والحد من المشكلات المرورية، وتنشيط السياحة، وتوفير مساحة أكبر للتفاعل الاجتماعي والثقافي. ومع مرور السنوات، أصبح الممشى واحداً من الأماكن التي تستضيف تجمعات وفعاليات عامة في المدينة.

وفي ليلة الاحتفال، لم يكن الشارع مجرد ممر للمشاة؛ فقد امتلأ بنقاط الضيافة والأنشطة، وتحولت مساحاته إلى أماكن للجلوس وتناول الطعام ومتابعة العروض، فيما تنقلت العائلات بين الفقرات المختلفة.

133 نقطة.. والناس هم أصحاب الضيافة
كان حضور السكان ومشاركتهم المباشرة من أبرز ملامح الدورة الرابعة. فقد أقيمت 133 نقطة شعبية على امتداد مسار الاحتفال، شاركت في تنظيمها مجموعات ثقافية وأهلية من محافظات إيرانية مختلفة، إلى جانب ضيوف من لبنان وسوريا والعراق وفلسطين، ومشاركين من قطاع غزة.

وتنوعت هذه النقاط بين تقديم الطعام والضيافة، وإعداد المأكولات المحلية وتوزيعها، والأنشطة القرآنية والثقافية، وبرامج الأطفال واليافعين، إلى جانب الاستشارات والإجابة عن الأسئلة الدينية وعرض المنتجات الثقافية والدينية.

وتحمل هذه المشاركة الشعبية معنى يتجاوز مجرد تقديم الخدمات؛ فالحاضرون لم يكونوا جمهوراً للاحتفال فحسب، بل شاركت مجموعات من السكان في إعداد فعالياته واستقبال ضيوفه، وهو ما يمنح «أُمّة أحمد» طابعاً أقرب إلى احتفال ينظمه المجتمع لنفسه.

 

الأطفال.. جمهور ونجوم الاحتفال
كان الأطفال حاضرين في قلب المشهد. فقد خُصصت لهم منصة وبرامج ترفيهية وألعاب وأنشطة فنية وذهنية، كما قدمت مجموعات متخصصة في برامج الأطفال واليافعين فقرات متنوعة خلال الاحتفال.

وقدمت قناة كردستان التلفزيونية المحلية برامج خاصة للأطفال، جمعت بين اللعب والعروض والترفيه، بحيث لا يكون الأطفال مجرد متفرجين، بل جزءاً من أجواء الاحتفال العائلي.
ومن بين الفقرات التي يعرفها الجمهور المحلي تلك المرتبطة بشخصية «مِل مِل»، وهي شخصية خروف دمية اشتهرت في برامج الأطفال التلفزيونية الإيرانية، وتحضر في مثل هذه الفعاليات من خلال فقرات موجهة للصغار.

 

الدف والمولودي‌خواني.. تقاليد إيرانية في الاحتفال بالمولد
كان للدف والإنشاد الديني بمناسبة المولد حضور بارز في برنامج الاحتفال، وهما من الفنون التي ترتبط في إيران، ولا سيما في المناطق الكردية، بالمناسبات الدينية والاحتفالات الشعبية.
والدف آلة إيقاعية دائرية تُستخدم على نطاق واسع في الموسيقى الإيرانية، وتحتل مكانة خاصة في التقاليد الصوفية والطقسية في المناطق الكردية. وفي المناسبات الدينية، غالباً ما ترافق عروض الدف الجماعية الأناشيد والقصائد ذات المضامين الدينية، فتتحول الموسيقى إلى جزء أساسي من أجواء الاحتفال.

أما «المولودي‌خواني» فهو تقليد إيراني في الاحتفال بالمناسبات الدينية، ولا سيما موالد النبي والشخصيات الدينية، يقوم على تقديم الأناشيد والقصائد الدينية بصورة فردية أو جماعية أمام الجمهور. ويحظى هذا التقليد بحضور خاص في المناطق الكردية الإيرانية، حيث يشكل الإنشاد في المولد جزءاً من الموروث الاحتفالي المحلي.

وفي احتفال سنندج، قدمت إحدى فرق الدف المعروفة في المدينة عرضاً أمام الجمهور، فيما شارك المغني الإيراني بيام عزيزي، المعروف بأعماله في مجال الموسيقى الصوفية والآيْنية، في تقديم فقرات من أناشيد المولد.

 

نجوم التلفزيون يشاركون الجمهور الاحتفال
لا تقتصر الفعاليات الشعبية في إيران على البرامج الدينية والثقافية؛ فحضور الفنانين والممثلين والمغنين ومقدمي البرامج المعروفين يمثل جزءاً من المشهد الترفيهي في كثير من المناسبات العامة. ويشارك هؤلاء النجوم الجمهور أجواء الاحتفال، سواء بالصعود إلى المنصة وتقديم فقرات فكاهية أو بالتفاعل المباشر مع الحاضرين.

وفي سنندج، شارك عدد من الوجوه المعروفة في التلفزيون والسينما في فقرات الاحتفال، من بينها الممثلان علي رضا خمسه ومهران رجبي، اللذان قدما فقرات فكاهية وتفاعلا مع الجمهور، مضيفين جانباً من المرح إلى أجواء الاحتفال الديني والثقافي.

كما قدمت فرقة «نقله كوردی» الكوميدية عرضاً أمام الجمهور. وهي فرقة مرتبطة ببرنامج فكاهي ومتنوع يبث يومياً عبر إذاعة محافظة كردستان، ويتكون من فقرات متعددة تجمع بين الكوميديا والتعليق على الحياة اليومية.

ولساعات، لم يعد شارع فردوسي مجرد ممشى في قلب سنندج؛ بل تحول إلى مساحة مفتوحة اجتمعت فيها الموسيقى والضيافة وفعاليات الأطفال والإنشاد الديني. وبينما كان إيقاع الدف يملأ المكان، بدت ذكرى مولد النبي مناسبة يتشارك فيها أبناء المدينة احتفالاً يركز على ما يجمعهم من ثقافة وموروث وتقاليد، في مدينة تشكل فيها الهوية السُّنّية جزءاً بارزاً من نسيجها الاجتماعي.

1405/06/11